- إلى أمي ودمي ينزف شوقا اليها -
| ► | يناير 2012 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | 31 | |||

- إلى أمي ودمي ينزف شوقا اليها -
***********************
خديجة موادى شاعرة مغربية مجيدة أهدت ديوانها قلب بقميص الظل لأمها التى غيبها الموت ، إلا أن ذكراها لم تزل معها ، ثم تعود لتهديه إلى أختها الراحلة سمية ثم تلاغى القارئ بمقدمة رقيقة .
اختيار الشاعرة للعناوين موفق ويدل دلالة قوية على عمق الوعى وإدراكها للمواقف بحساسية دافقة وللولوج إلى عوالم خديجة موادى يجب علينا أن نستعد ، فنحن بصدد مواجهة حاسمة وحازمة مع شاعرة متقدة بالحماس ولديها فيض من عطاء وجهد بذلته ثم إنها تتنفس الصعداء منتشية بما حققت من فوز لتراوغنا عن كثب ..
شعر خديجة الذى جعلت من عنوانه الترحيب وبثت نداءات روحها ” تسرجين صهوة نجمة تفصدت منافيها “
تعبير بلاغى راقٍ تبلغ قمته حين تقول ” وتنامين بكف مدينة تتبضع من رموشك مناديل مضرجة بالوداع الأخير ” إلى هذا الحد بلغ الأمر بشاعرة أن تؤكد على حلمها الجميل وأفاقت عليه لتجد المدينة على غير ماكانت عليه فى السابق ، ولكنها تعود لتقلقلها من جديد وتزلزل أركانها بألحان ريح تقلب سنابك الوقت وأفاعيه وتدق الأجراس وتمزقها من خلال نداءات خفية وصريحة امتزجت وتلاحمت فى الوقت نفسه مؤكدة فى النهاية وبإعتراف بأن ما حدث كله لم يسمع برجعه أحد وإن كان لم يزل يبدو عند الأفق .
بعدها نجد أنفسنا أمام جداريات صنعتها خديجة بمهارة ـ وليتها كتبتها جدارية مفردة وليست جداراً ـ فتصبح الجدارية الأولى ثم التى تليها وهكذا ..
فى الأولى تنعى حظها من الذكرى التى وجدت أن أبجديتها قد أوصدت لكن اصرارها على الإختراق هو أنها لن تكف عن تسيير القوافل والسؤال ، وعندها صرخة من دون حناجر كما أنها لا تبوح بهذه الصرخة فجعلتها حبيسة بين جوانحها وكأنها علامة فشل أولى أمام الإختراق ، وفى الثانية تعود لتمس بأخر فصول حماياها التى تخثرت ـ والتخثر هو الدم الذى يجف ويتجلط بعد حدوث الجرح ـ ثم تزيح الأمر كله لتكشف عن تحديها لتلك المقلتين اللتين تشبههما بالمسدس المشهر فى الوجه وهو مكتوم الصوت فيبعثرها بعد ذلك أشلاء وهى فى عز ثورتها وتأججها تعود ضعيفة لتعترف ( لو وطئت جزرى النائية بكلمة صغيرة منك ، أحتسيها بغفرانى حبيبات من ندى وقطراً من شتائى لربيعى القادم ) هنا نجد تعبيراً صادقاً استطاع أن يبث الأمل من خلال مشاعر متدفقة وروح فياضة لم تجد سوى الحلم بربيع قادم تجد فيه الأفضل .
وفى الثالثة تؤكد من جديد على أن السماء التى أنجبت نجيمات وئدت بفعل أمس تطير ومن بريق كل غيمة تتحدى بأنها ستمطر ، المطر هنا هو استمرار الحياة وديمومتها إزاء كل حلم ولو كان مصلوباً يتعذب .
ـ شيخوخة الليل : الليل عند الشاعرة تراه قد شاخ لخمس مرات / جنيناً تثقله الصرخات / أوراق تسكن خارطة الجرح يغمد أزميل اللظى بنحر القصيدة وقد أصابها التعب وراحت ترتق أشرعة الخيال فى مساءات الأحلام ، فبلغت الشاعرة روعة الدفق وتسلسل الإبداع فى رونق اتسم بالتنامى وساعدتها موهبتها على أن تخترق الحلم فصنعت أشرعة لسفن جاهدت لتصل إلى حافة الأحلام ـ وفى الثالثة تجد الحرف قد أصبح جثة مهيضة الجناح احترق وتسكع فى الدروب منتحباً وهى ترتقب الشاعر الذى سجدت قصائده أمام أهدابها قبيل أن يجئ ، فى الرابعة نجد الليل ينمى الوجع مثلما تتنامى الطحالب ، والطحالب كما نعرف تتكاثر بشكل متسارع فهى تنقسم فى النمو إلى جزئين كل جزء بعد ذلك ينقسم إلى جزئين وهكذا دواليك كما يزداد الوجع ونجد الخوف وهو يلجأ للإستحمام فى لون الغسق بغية التطهر من أى دنس قد يلحق به وهو بداخل عينين يطاردهما الدمع وفى النهاية يشيخ الليل ليصبح زهراً يطوى الصمت ويهشم أنياب الظلام ، وبما تعد الشاعرة ربيبة الليل الذى وأد حلمها وأشقاها ، إنها صور جمالية متتابعة أثبتت بجدارة مدى عمق التناول عند خديجة عبر رؤى ثاقبة وأحلام تضاربت فيها الأهواء فى دروب شتى لنجدها مرة أخرى تسقط فى شيخوخة الليل الذى لم ينهزم رغم نصاعة الحلم .
ـ العصفورة والمدينة : صورة غنائية تؤكد رحابة الفضاء الذى لا ينقطع عن الحلم بمزيد من الخفقان فالعصفور يحاول رغم مايتهدده من مخالب المدينة التى لا ترحم أن يواصل طيرانه عاشقاً للحياة وهو يتنقل من غصن لغصن وعلى الضفاف .
ـ لوحة لأفق شاحب : إطلالة القمر الذى قرض الشك بعض رغيفه وتتخذ الشاعرة من أحد أحواض السماء ملعباً تلهو بخيالاتها الطموحة لدرجة أن الظلام كلما تهاوى من حولها( تأوهتنى أغنية بحر زرقاء ، إذ نفثتنى جمرة فى شتاء ماضينا الطويل ) ظلال الحلم المجرد والمتجذر لا ينحو عليه أحد باللائمة سوى الخوف من ضياعه مسربلاً بالظلمات .
ـ راعف بالمطر زجاج حلمى : الرعف هو مايسيل من دم الأنف ، وهو تشبيه قاس للمطر ويفعل هنا تلك الفعلة الكبرى بزجاج يجب غسله من غبار الطريق ، لكن المطر هنا سال على زجاج الحلم ( يسيل بمسارب الخاطر فتشربه عروق مدينة الأرق) ليتنشى به سراب الوقت ( به أتلفع بإزار من حنين وأمشى فى متاهة موجه) صور متدفقة ومتتابعة من خلال نظم شعرى يبدو كعقود الجمان قادر على توصيل وتأصيل الصورة ( يلقى برأسه فوق كتفى ) صورة جمالية متفردة تصلح لأن نرى أمامنا قاصة ماهرة تمسك بقياد الشعر وتمتلك مزايا ترصيع قصصها بصور شعرية ( أقراص البوح ـ قوارير البحر ـ رضاب حكايات ـ نقش الجمر ـ وشم الرماد ) توصيف جميل لنصاعة الحلم وتكامل الصورة .
ـ من ديار المغلق : هنا تعب خديجة على أحبال الغربة من خلال تلك الديار التى نسميها الوطن الذى يموء بصور الذين هاجروا ثم عادوا للمدينة التى تستجم مسبلة أجفانها وهى أبواب البيوت التى علاها الصدأ بسبب غياب أصحابها فأغلقت أبوابها فى وجوههم وازدردوا العذاب / الحلم الذى يعلن غضبه فى الصدر ليبصقه صرخة ( ويرسل بالمساء برقية جرح مضمخ لأم تذكر الوطن .. وتبكى ) تلك هى المسألة إذن ، الوطن الأم الذى يتشرد أولاده بغية تحقيق أحلامهم حتى لو كانت الأحلام خارج حدود هذا الوطن ، وحين عادوا رأتهم الشاعرة ( هذى وفود الزنابق فى زمن خاطئ تُركت عند السفح مكبلة تكنسها الريح ، وتغوص شموس الربيع بأحداق أجيال تتشظى ردموا فرحها وكتبوا على الجبين ” ضحية!!”.
هنا تتابع دافق بمشاعر لا تكف عن رصد الحلم الموؤد فى حنايا كل من عادوا ، هذى الزنابق ماأحلاها ، لكنها عادت فى زمن ليس بزمنها ، وقامت الريح بكنسهم بعد أن ردمت أحلامهم ودفنت وعلقوا عليها شاهد القبر ، ضحية هنا مكمن السخرية رغم الإثم وهنا أيضاً لم نزل نحيا مع فتنة اللغة التى تداهمنا بها خديجة حتى أننا لا نستطيع إلا أن نشرئب برؤوسنا لنرى هذا الحلم مهما حاصرته الآلام .
ـ سؤال من فلين : هنا سؤال انعكاسى تتردد فيه الكلمات المضادة ، الحوار : البكم / انطفاء : احتراق / احتضار : حقل خصيب / عراء الإخضرار : سنابل الحب ـ ( لم أعد أنا أنت . لم تعد أنت أنا ) دالية يابسة : حصرم ،
* قصائد *
سأسميك ، مذ غسلتني دموعك
أرضا بكرا
حاصرت الجسد
بأخيلة الكتابة ،
مسافة فاصلة
بين سحاب وتراب
يمشيها المتعبون
أخدانا للماء،
حين الماء يبلل
عطش منفاي مني .. اليك !
| 06 نوفمبر 2010 |









